محمد بن زكريا الرازي
154
منافع الأغذية ودفع مضارها
الجلود ، والغلصمة « 1 » والمنخرين من الغضاريف « 2 » . وأما لحم الخدين فأكثر ما في الرؤوس إغذاء ، والعينين أسمن وأدسم ما فيه وأسرعه نزولا . ولحم اللسان أخف ما فيه ، والدماغ أبرد ما فيه . فليؤكل الدماغ بالخل والخردل والصعتر والمري ، والعينان بالملح الكثير ، ولحم الخدين وأصول الأذنين بالخلّ والصعتر والأنجدان والخردل ، ولحم اللسان بالملح الكثير . ولا يتعرض للجلود والغضاريف ما أمكن ، فإن دعت إليه الشهوة أكل بالخلّ والخردل . وليختر لضعفي المعد ، ومن ليس يكدّ ، رؤوس الجداء والحملان الصغار ، ولا يشبع منها على المائدة شبعا تاما . فإنه متى ما فعل ذلك وأكل منه هذا القدر ، ثقل وربا بعد ساعة أو ساعتين حتى يقلق ، ويمنع النوم ، ويضيق النفس ، ويشوّق إلى القيء . ومن أمسك عنه وفي الشهوة له بقية ، ثم الشبع منه بعد تركه بهنيئة ، ولم تعرض عنه الأعراض التي ذكرنا ، وهي في الصيف والبلدان الحارّة أثقل . وينبغي أن لا يؤكل إلّا على جوع صادق جدا . ومن كان حارّ المزاج ويعطش عليها عطشا شديدا ، نفعه أن يشرب عليها من سويق الحنطة شيء يسير مروّق بها ثلج كثير ، ولا يجاوز مقدار عشرة دراهم إلى عشرين على قدر البدن مع مثله من السكر الطبرزد « 3 » . وقد يذهب وخامته أيضا وكثرة إعطاشه أن يمص عليه من العنب النضيج « 4 » حبات ، ولا يؤكل بقشره . والأجود أن لا يشرب عليه إلّا الماء الصادق البرد يومه ذلك . فإن لم يمكن ، فلا أقل أن لا يشرب عليه الماء ثلاث ساعات ، وينام عليه نويمة « 5 » ، ثم يشرب الشراب أن لم يكن من ذلك بدّ .
--> ( 1 ) الغلصمة : جمعها غلاصم « من السمك أو نحوه » بواسطتها تتنفس الأسماك وبعض الفقريات . ( 2 ) الغضاريف : جمع غضروف . هو ليس بالعظم ، وليس باللحم ، وإنما هو ما تكلس ورقّ منهما . ( 3 ) السكر الطبرزد : سبق شرحه . ( 4 ) النضيج : الناضج من الثمر أو نحوه . ( 5 ) النويمة : تصغير ( النوم ) وهو ما خف وقلّ من السبات .